بقلم السيد الطاهر الهاشمي 

 

كثير هي نقاط الخلاف بين مذاهب أهل السنة والجماعة خاصة في قضايا القبور والأضرحة والزيارات والتوسل والوسيلة، ومنها قضية الأضرحة والتي شغلت المسلمين قرونا، وذلك لعدم إحاطة البعض منهم بالكثير من الأحكام أو معرفة كيفية استنباطها من النصوص مما أحدث خللا في مجتمع المسلمين، وكفر بعضهم البعض بجهل وعدم وعي مما جعل العلامة السيد أحمد بن الصديق الغماري يخط رسالته ( إحياء المقبور في أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور ) فأفاد وأفاض بأدلة المذاهب السنية الأربعة حيث ذكر هذا الباب قائلا: 

وفي رسالة الشيخ إسماعيل التميمي التونسي : وأما البناء على القبور إذا كان حولها كالقبة والبيت والمدرسة، وكان في ملك الباني، فذهب اللخمي إلى المنع، وذهب ابن القصار إلى الجواز، ووافقه ابن رشد على ذلك، فنقل عنه المواق البناء على نفس القبر مكروه، وأما البناء حوله فإنما يكره من جهة التضييق على الناس ولا بأس به في الأملاك اهـ. ومن المعلوم في المذهب تقديم قول ابن رشد على اللخمي قضاءً وفتيا لا سيما وقد وافق في ذلك ابن القصار، وهو من كبار الأئمة النظار، وقد أشار ابن ناجي إلى ترجيحه واعترض على المازرى تشهيره للمنع قائلًا : لا أعرف من قال به إلا اللخمي. قال: يمنع بناء البيوت لأن ذلك مباهاة ولا يؤمن أن يكون فيها من الفساد. ولقائل أن يقول لا خلاف بينهما، لأن اللخمي علل بالمباهاة وعدم أمن الفساد، وابن القصار لا يخالفه في ذلك، والكلام مفروض فى الجواز الذاتي إذا سَلِمَ المحل مما يؤدى إلى المنع. فالقولان في وفاق، ويصير البناء على قبور الصالحين قبةً أو بيتًا أو مدرسةً أو نحوها جائزًا من حيث ذاتُه، وظاهر كلام من تكلم على الجواز أنه يجوز بناء مسجد عليه. ونقل بعض شراح الرسالة عن جمال الدين الأقفهسى: أنه استثنى بناء المسجد، ولعله لما ورد من النهي في ذلك، والنهي معلل بسد الذريعة لأنه يؤدى إلى الصلاة إلى القبر، فيؤدى إلى عبادتها، فالمنع فيه عَرَضٌ يزول بزوال ذلك العارض، وكلامنا فى جوازه من حيث ذاته. اهـ.

هذا محصل ما لفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها في المسألة. والصحيح الذي يدل عليه الدليل ويقتضيه النظر: أن البناء حول القبر جائز سواء كان حوشًا أو بيتًا أو قبةً أو مسجدًا، وما يذكره الفقهاء من الشروط والاحترازات أمر خارج عن حكم البناء في ذاته، لأنها عوارض لها حكم خاص بها يوجد بوجودها وينتفى بانتفائها ككونه في الأرض الموقوفة أو المسبَّلة أو قُصد به المباهاة أو الزينة ونحو ذلك مما يذكرونه، فإنه لا تعلق له

بحكم البناء، فلا نتعرض له لأنه خروج عن الموضوع، وإنما المقصود بيان حكم البناء في ذاته، وهو جائز حول القبر بالكتاب والسنة والإجماع والقياس كما سنذكره بعد أن نقدم مقدمة تمهد السبيل لقبول تلك الأدلة وتزيح الإشكال الوارد عليها من النصوص المعارضة لها بتحقيق معناها، وبيان مراد الشارع ومقصوده منها بيانًا يجمع بين ما يبدو ظاهرًا
 من التعارض بينها فنقول :

اعلم أن الخلاف في جواز البناء حول القبور إنما نشأ من الخطأ في الاستدلال، وعدم إحكام النظر فى الدليل من جهة عدم فهم معناه وتحقيقه أو لا، ثم من جهة عدم فهم مراد الشارع من ذلك المعنى المفهوم. ثانيًا: ثم من جهة الإعراض عن النظر في الأدلة المعارضة له. ثالثًا: فإن النهى الوارد في البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها غير عامٍّ في نفسه ولا في كل زمان بل هو خاص بنوع من أنواعه ثم هو غير تعبدي بالانفاق، بل هو معقول المعنى معلل بعلل يوجد بوجودها وينتفى بانتفائها شأنَ كل حكم معلل كما هو معروف. ومع هذا فهو أيضًا معارض بما هو أقوى منه مما يجب النظر فيه في الجمع بينهما وهو وجوب العمل بالنص والتمسك بالدليل ويحرم الإعراض عن أحدهما والتمسك بالآخر حرمة الإعراض عن النص ومخالفة الدليل لأن الكل شرع مفترض طاعته واجب قبوله، والعمل به فالإعراض عن أحدهما دون دليل مسوغ إعراض عما أوجب الله طاعته وفرض على العبد اتباعه، وتفريق بين المتماثلين، وترجيح بين الدليلين بدون مرجح؛ وهو باطل بالإجماع.