السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


نعلم أنّ الإمامة عند أتباع سنّة الجماعة تقوم على أساس الاجتهاد، بل تُناط بالأُمّة لتختار إمامها وفق ما تراه من مصالح؛ بخلاف الشيعة الذين يعتقدون بضرورة التعيين الإلهي والنص النبوي في الإمامة.
أريد دراسة تحليلية موجزة لما يترتّب على مذهب أهل السنّة في الإمامة من لوازم ونتائج.
وشكرًا لكم.

الإجابة
الأخ جابر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
تقوم نظرية الإمامة عند أهل السُّنّة - كما قلتم - على أساس الاجتهاد، بخلاف عقيدة الشيعة الذين يرون بحق أنّ الإمامة تعيينٌ إلهيٌّ ونصٌّ نبويّ وامتدادٌ لولاية النبي المطلقة. وقد ترتّب على هذا الأساس الاجتهادي جملةٌ من اللوازم الفكرية والسياسية التي أفرزت غموضًا واضطرابًا في بنية النظرية السُّنية ذاتها، ويمكن تلخيص أبرز نقاطها فيما يأتي:

1. غموض الحكم الشرعي في وجوب الإمامة:
لم يثبت عند أهل السُّنّة دليلٌ قطعيٌّ يُوجب نصب الإمام أو يُبيّن طريقة تعيينه؛ إذ اعتمدوا في ذلك على الإجماع، وهو حُجّةٌ ظنيّةٌ لا يمكن إحرازها في القضايا السياسية التي يشوبها الإكراه وتغلب عليها المصالح؛ فسكوت الناس أو أهل الحل والعقد لا يعني رضاهم بالضرورة، وقد يكون وليدَ الخوف أو المداراة، ومن ثمّ لا يتحقق الإجماع الحقيقيّ الذي يدّعى إمكان الاستناد إليه في أصلٍ خطيرٍ كهذا.

2. غموض حدود صلاحيات الإمام:
لم يرد في نصوصهم الشرعية تحديدٌ واضحٌ لصلاحيات الإمام، ولا لمدى سلطته في شؤون الدولة والأمّة، ولا لموارد طاعته أو مجالات اجتهاده؛ فأصبحت أغلب المسائل منوطةً بالاجتهاد وظروف الزمان والمصلحة، وهكذا تحوّل نظام الإمامة لديهم من وسيلةٍ لتوحيد الكلمة وضبط النظام إلى ساحةٍ لتعدّد الآراء واختلاف التطبيقات.

3. اضطراب طرق تعيين الإمام:
لقد تنوّعت طرق تعيين الإمام عندهم إلى ثلاث: البيعة من أهل الحلّ والعقد، والاستخلاف من الإمام السابق، والتغلّب بالقوّة والغلبة.
ثمّ اختلفوا في تفاصيل كلّ طريق:
ففي البيعة، لم يُحدَّد عدد المبايعين ولا صفاتهم بدقّة؛ فقيل: يكفي واحد، وقيل: خمسة، وقيل: الأكثرية.
وفي الاستخلاف، تباينت آراؤهم بين من أجاز الاستخلاف بلا رضا الأمّة، ومن اشترط موافقة أهل الحلّ والعقد.
أمّا في التغلّب، فقد عدّه بعضهم طريقًا شرعيًا لعقد الإمامة، وعدّه آخرون باطلاً لا يُقرّه الشرع.

4. التناقض في شروط الإمام:
اختلفوا في شروط الإمام اختلافًا واسعًا؛ فاشترط بعضهم العدالة والاجتهاد شرطَ صحة، ورآها آخرون شرطَ أولوية لا لزوم، كما اختلفوا في بقاء الإمامة مع فسق الإمام، وفي جواز تعدّد الأئمّة في الأقطار المختلفة، دون أن يحسموا هذه المسائل بنصٍّ قاطعٍ أو دليلٍ واضح.

5. النتائج المترتبة على هذا الاضطراب:
أدّت هذه التناقضات إلى اضطرابٍ فكريٍّ وسياسيٍّ عميق؛ إذ أصبح الخلاف في شرعية الإمام خلافًا سائغًا شرعًا، فجاز لكل فئةٍ أن تُقيم إمامًا آخر وتُقاتل خصومها باسم الاجتهاد.
وقد أقرّ عددٌ من أعلامهم بأنّ أكثر مسائل الإمامة خالٍ من القطع واليقين، وأنها تُبنى على الظنون. وبهذا غدا النظام الذي وُضع لحفظ وحدة الأمة سببًا في انقسامها، وتحولت الإمامة لديهم من أداةٍ للتوحيد إلى مصدرٍ دائمٍ للفتن والصراعات.

الخلاصة:
إنّ اعتماد نظرية الإمامة عند أهل السُّنّة على الاجتهاد دون النصّ أدّى إلى غموضٍ في الحكم، واضطرابٍ في التعيين، وتناقضٍ في الشروط والصلاحيات؛ فبدل أن تكون الإمامة عندهم أساس وحدة الأمة واستقرارها، أصبحت مثار خلافٍ دائمٍ وانقسامٍ مستمر، مما يدلّ على خللٍ جوهريٍّ في أصل هذه النظرية عندهم.
ودمتم في رعاية الله

 

منقول من موقع مركز الأبحاث العقائدية