أحاديث الفضائل وأكاذيبُ المدلّسين
بعض أحاديث الفضائل وأكاذيبُ المدلّسين
بقلم السيد الفارس
تعريف التدليس والمدلسون :
التدليس في سياق علم الحديث هو إخفاء عيب في الإسناد لتحسين ظاهره. كأن يوهم المدلس من يستمع له بأن إسناده متصل وهو ليس بمتصل، والتدليس على نوعين: تدليس إسناد، وتدليس شيوخ.
يعني هو الكذب بعينه .كان يقول سمعت من فلان ..مثلا . وهو لم يلتق به ولم يسمع عنه .
أقوال علماء الحديث في التدليس والمدلسين:
قال الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) في (باب الكلام في التدليس وأحكامه) ص393:
((أخبرنا أبو جعفر محمد بن جعفر بن علان الوراق قال أنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي قال ثنا الحسن بن علي قال ثنا بندار قال ثنا غندر قال سمعت شعبة يقول التدليس في الحديث أشد من الزنا ولان أسقط من السماء أحب إلي من أن دلس.
أخبرني أبو القاسم الأزهري قال ثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال قال ثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال ثنا جدي قال سمعت سليمان بن حرب يقول سمعت جرير بن حازم يقول وذكر التدليس والمدلسين فعابه وقال أدنى ما يكون فيه انه يرى الناس انه سمع ما لم يسمع وقال ثنا جدي قال سمعت الحسن بن علي يقول سمعت أبا أسامة يقول خرب الله بيوت المدلسين ما هم عندي الا كذابون.
قال الحاكم النيسابوري في (معرفة علوم الحديث) ص103 مشنعا على المدلس والمدلسين:
(أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة الأصبهاني قال ثنا محمد بن عبد الله بن رستة الأصبهاني قال ثنا سليمان بن داود المنقري قال سمعت عبد الصمد بن عبد الوارث يحدث عن أبيه قال التدليس ذل قال سليمان التدليس والغش والغرور والخداع والكذب يحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد .
أخبرنا أبو العباس السياري قال أخبرنا أبو الموجه قال أخبرنا عبدان قال ذكر لعبد الله بن المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولا شديدا وأنشد فيه دلس للناس أحاديثه والله لا يقبل تدليسا)
تدليس البخاري ومسلم:
أما البخاري:
قال الذهبي في (ميزان الإعتدال) ج2 ص442، في ترجمة عبد الله بن صالح الجهني المصري:
(وقد روى عنه البخاري في الصحيح على الصحيح ، ولكنه يدلسه ، فيقول : حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو).
وقال فيه ايضا ج3 ص561 في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب:
(وقد غيروا اسمه على وجوه سترا له وتدليسا لضعفه .. وقال البخاري : المصلوب يقال له ابن الطبري .. قال ابن الجوزي : من دلس كذابا فالاثم له لازم .. قلت : وقد أخرجه البخاري في مواضع وظنه جماعة).
وهذا التوجيه الأخير – بعد شهادته عليه بالتدليس – تبرع لا شاهد له، بل هل يعقل بأن البخاري الذي جمع صحيحه في عقود من حياته أن يشتبه عليه هذا الأمر !، ولو كان الأمر كذلك فكيف يعتمد على مرويات البخاري ويطمأن لها وهو غير ثبت في النقل؟!.
وقال ابن حجر في ( تعريف أهل التقديس ) ص6 عن ابن مندة أنه قال في كلام له :
(أخرج البخاري قال فلان وقال لنا فلان ، وهو تدليس).
ثم قال:
(الذي يظهر أنه يقول في ما لم يسمع: (قال) .. وفيما سمع – لكن لا يكون على شرطه، أو موقوفا - : (قال لي) أو: (قال لنا)، وقد عرفتُ ذلك بالاستقراء من صنيعه) !.
فإذا كان هذا هو حال البخاري فأي وجه للاعتماد على مروياته، وهل تجد خيانة أكبر من هذه، ولعل سر رواج سلعته الرخيصة في أسواق الأخبار بين العامة، تتضح بملاحظة بعض نماذج من روى عنهم كابن ملجم لعنه الله، نأتي على ذكرها إن وفقنا الله لذلك.
وأما مسلم:
فتكفي شهادة ابن حجر عليه بالتدليس ليلحق حكما بصاحبه.
قال في كتابه (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) ص7:
( كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه : قال لنا فلان ، وهو تدليس) .
فكيف ينجو الآخذ بأخبارهم ونقولاتهم وهم من عرفت؟!.
ومثله في المذهب الهيثمي : (المدلس قد يكون ثقة) !.
الهيثمي في مجمع الزوائد ج3 ص81: (وقوله من أتى بدقيق قبل منه من رواية الحسن عن ابن عباس، والحسن مدلس ولكنه ثقة ).
وكذلك ابن حجر: (البصري ثقة لكنه مدلس شديد التدليس) !.
وقال ابن حجر في (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) ج1 ص87: (( قوله حدثنا عمر بن علي ) هو المقدمي بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة وهو بصرى ثقة لكنه مدلس شديد التدليس وصفه بذلك ابن سعيد وغيره وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم وصححه وإن كان من رواية مدلس بالعنعنة لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى فقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أحمد بن المقدام أحد شيوخ البخاري عن عمر بن علي المذكور قال سمعت معن بن محمد فذكره).
بعض أحاديث الفضائل وأكاذيبُ المدلّسين
٦_المدلسون وبعض ماجاء من أكاذيب التدليس:
١_تدليس البخاري :
ففي سنن النسائي ط دار إحياء العربي باب الرخصة ح ١١٣٥،قال رسول الله(ص):(إنها لاتتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمره الله عزوجل فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين،ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين))
وفي صحيح الترغيب والترهيب للعلامة الألباني(جاء رجلٌ فدخل المسجد فصلّى..قال الرجل(للنبي) لاأدري ماعبتَ عليَّ؟فقال النبي(ص):(إنه لاتتمّ صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين،ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين..)
وصحّحه الألباني.وهذا الحديث في صحيح الجامع الصغير وزياداته،ج١ص٤٧٥،وص٤٧٦.
فالنبي(ص) أمر بغسل الوجه واليدين والمسح على الرأس والرجلين.
وهكذا كان الإمام علي(ع) في مسند أبي داود،تحقيق الدكتور التركي،ج١ص١٢٥،ح١٤١(صلّى عليٌّ الظهر في الرحبة ثم جلس في حوائج الناس حتى حضرتْ العصر،ثم أُتِيَ بكوز من ماء فصبَّ منه كفًّا فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه ورجليه)
وهنا وجب عليهم التدليس لإيهام الناس وطمس الحقيقة لأنها تخص مذهب اهل البيت . انظر الى تلاعب البخاري الذي يعتبره أهل السنة أصح كتاب؟!
البخاري :
نقل نفس رواية أبي داود بنفس الإسناد ولكنه أخفى المسح وحرّف الكلمة عن نفس الراوي في السند ليُخفي الوضوء الصحيح الذي أمر به النبي(ص) وفعله الإمام علي(ع)
أخرج البخاري( ح ٥٦١٦،)بسنده…: سمعتُ النزّال بن سبْرة يحدث عن علي : أنه صلّى الظهر،ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة،حتى حضرتْ صلاة العصر، ثمّ أُتيَ بماء ،فشرب وغسل وجهه ويديه،وذكر رأسه ورجليه)
فوضع البخاري كلمة((ذكر)) مكان كلمة((مسح)) .ليوهم الناس بان المراد من الحديث شئ اخر غير المسح .
ومن تدليسات البخار ي أيضًا ما رواه الإمام السيوطي في تفسير الجلالين وكذلك ابن الأثير في تاريخه :
أنه لما جاء مروان بن الحكم ليأخذ البيعة ليزيد بن معاوية فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر : كذبتَ يامروان وكذبَ معاوية ،ماالخيار أردتُما لأمَّة محمد ،ولكنكم تريدون أنْ تجعلوها هرقليَّة،كلما مات هرقلٌ قام هرقل.
فأجاب مروان: هذا الذي أنزل الله فيه وقال : لوالديه أُفٍّ لكما؟ فسمعت عائشة كلام مروان، فقالت: يامروان،يامروان؛ كذبتَ والله ماهو،به ، ولكنَّك فضَضٌ من لعنة الله ( أي قطعة من لعنة الله)
وفي رواية أخرى قالت : كذِبَ والله ماهو به، ولكن رسول الله لعن أبا مروان (الحكم) ومروان في صلبه،فمروان فضضٌ من لعنة الله عزوجل) تاريخ ابن الأثير،ج ٣ ص ١٩٩ في ذكر حوادث ٥٦ )
ولكن البخاري بتَرَ قولَ عائشة، وقول عبد الرحمن لمروان بن الحكم وأخرج البخاري فيما يُسمَّى بصحيحه : فتكلّمتْ عائشة وقالت شيئًا ؟!
وكذلك بتَرَ البخاري قولَ عبد الرحمن : كذبتَ يامروان وكذب معاوية فقال : فتكلَّمَ عبد الرحمن بن أبي بكر :فقال شيئًا ؟!
ومن تدليسات البخاري :
البخاري يحذف حتى يغطِّي على ابن مسعود أنَّ المعوذتين ليستَا من القرآن .
أخرج البخاري في صحيحه كتاب التفسير ،ح ٤٩٧٧: عن زِرّ قال(سألتُ أبيّ بن كعب: قلتُ: ياأبا المنذر،إنَّ أخاك ابن مسعود يقول : كذا وكذا؟ فقال أُبيُّ : سألتُ رسول الله(ص) فقال لي: قيل لي فقلتُ قال،: فنحن نقول كما قال رسول الله (ص)) فحذف البخاري الفقرات ليغطِّي على مَن قال بنقص القرآن ؟!
وإليكم الفقرات المحذوفة : مسند الإمام الحميدي وهو شيخ البخاري م ١ ص ٣٦٧، ومسند أحمد، م ٣٥ ص ١١٨تحقيق الأرناؤط، قال زِر بن حبيش : سألتُ أُبيِّ بن كعب عن المعوذتين، فقلتُ ياأبا المنذر،إنَّ أخاك ابن مسعود يحكُّهما من المصحف( يعني يحذفهما) فقال أُبيُّ: إني سألتُ رسول الله (ص) قال: قيل لي( أي أُوحيَ إليَّ) قل : فقلتُ : أعوذ برب الفلق)
ومنها ايضا : ما أخرج مسلم في صحيحه في باب التيمُّم : أنَّ رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبتُ فلم أجد ماءً ؟ فقال عمر : لاتصلِّ ،فقال عمار : أمَا تذكر إذْ أنا وأنتَ في سريِّة فأجنبنا فلم نجد ماءً فأمَّا أنتَ فلم تصلِّ وأمَّا أنا فتمعكّتُ في التراب وصليتُ )
البخاري ذكرَ نفسَ الرواية ولكنه كعادتِه حذف كلمة عمر لاتصلِّ ) حتى يُخفي الحقيقةَ ويبعد عمرا عن بدعته في الدين وتحريم ما أحله الله ورسوله
٢_تدليس الامام النسائي:
وكذلك فعل الامام النسائي في حديثه عن قصة سالم سبلان مولى مالك بن أوس ودخوله على عائشة وخلوته بها . ومن غير حجاب .تكشف عن وجهها وشعرها وذراعيها لتعلمه الوضوء
فقد روى الامام النسائي في صحيحه ( السنن)قال : فأرتني كيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم يتوضأُ ، فتمضمضَتْ ، واستنثرَتْ ثلاثًا ، وغسلَتْ وجهَها ثلاثًا ، ثمَّ غسلَتْ يدَها اليمنَى ثلاثًا ، واليسرَى ثلاثًا ، ووضعَتْ يدَها في مقدَّمِ رأسِها ، ثمَّ مسحَتْ رأسَها مسحةً واحدةً إلى مؤخرِهِ ، ثمَّ أمرَّتْ يدَيْها بأذنَيْها ، ثمَّ مرَّتْ على الخدَّينِ . قال سالمٌ : كنتُ آتيها مكاتِبًا ما تختفي منِّي فتجلسُ بين يديَّ وتتحدثُ معي ،..
الألباني (صحيح النسائي | الصفحة أو الرقم : 100 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
ويُؤيِّد هذا ما رواه البيهقيُّ بسند صحيح عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسارٍ، عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها , قال: "اسْتَأْذَنْتُ عليها، فَقالَتْ: مَنْ هذا؟ فَقُلْتُ: سُلَيْمانُ قالَتْ: كَمْ بَقِيَ عليك مِنْ مُكاتَبَتِكَ؟ قالَ: قُلْتُ: عَشْرُ أواقٍ قالَتْ: ادْخُلْ؛ فإنَّكَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليكَ دِرْهَمٌ "، وسليمانُ بنُ يسارٍ لم يكُنْ مولاها، بلْ كان مولى ميمونةَ كاتبَتْه بعِتقٍ .( وهذا داخل آخر)
والحديث الذي أوردته قد أخرجه الإمام النسائي في سننه، وقال فيه الشيخ الألباني: إنه صحيح الإسناد.موقع الدرر السنية.
قال ابن تيمية :ويدل الحديث على أن سالم سبلان (مولى مالك بن أوس )راوي الحديث كان مكاتبا، وكانت عائشة لا تحتجب عنه، وكان يرى شعرها وأطرافها، ولما أخبرها بأن الله قد منَّ عليه بالحرية أرخت الحجاب دونه فلم يرها بعد ذلك.
فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته …فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها ; بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها مجموع فتاوى ابن تيمية الجزء22 أين التدليس والكذب ؟
١_ عند النسائي :
حيث صرح بكل اركان الوضوء الا القدمين .لماذا ؟
إما لانه خجل من ان يقول ان ام المؤمنين كشفت عن رجليها لسالم مولى مالك بن أوس . فتكتمل الفضيحة.
وإما انه بتر بقية الحديث ليخفي المسح على القدمين عند عائشة
٢-عند ابن تيمية :
أراد ابن تيمية ان يبرر عمل عائشة ويدلس بقوله :جواز نظر العبد الى مولاته ….مدلّسا ومتناسيا ان هذا العبد ليس مولى لها.وانما هو مولى لمالك بن أوس.
لكنه يقر بالقاعدة الشرعية بان عبدها لايجوز له السفر او الخلوة بها.
وهو يقر بخطأ عائشة من حيث لم يحتسب .لان سالم كان يختلي بها وتكشف له عما لايحل لها ان تكشفه . وهو ليس مولى لهاأصلا .والله تعالى يقول : ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ))الاحزاب ٥٣
٣_تدليس الطبري في تفسيره :
لمَّا نزل قوله تعالى( وانذر عشيرتك الأقربين) دعَا النبيُّ(ص) عشيرتَه وصنعَ لهم طعامًا ثمَّ قال: ( إني جئتُكم بخير الدنيا والآخرة فمن منكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيِّي وخليفتي؟ قال عليٌّ: أنا يارسول الله،فقال النبي(ص) : ياعلي أنتَ أخي ووصيِّي وخليفتي )تاريخ الطبري.
في تفسير الطبري،حذفوا وصيِّي وخليفتي ووضعوا مكانها: وكذا وكذا قال (ص): مَن منكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي وكذا وكذا؟!
قال عليٌّ: أنا يارسول الله: فقال النبي(ص): ياعلي أنت أخي وكذا وكذا؟! فحذفوا كلمتيّ وصيِّي، وخليفتي، ووضعوا كلمتيّ كذا وكذا ؟!
وهذا الحديث ذكره محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد الطبعة الأولى صفحة ١٠٤ ثم حذفه في باقي الطبعات لأنَّ مؤسسةً اشترطت عليه أنْ يحذفه مقابل أنْ تشتري من الكتاب خمسمئة نسخة فحذفه ) ومصادر هذا الحديث عديدة جدًّا: وأرسله ابن الأثير إرسال المسلمات
ومن تدليسات ابن كثير في تفسيره لحديث الدار:
(ياعلي أنت أخي ووصيِّي وخليفتي) أخرجه الحاكم في المستدرك وصحَّحه ووافقه على التصحيح الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك)
وصحّحه: الشهاب الخفاجي في شرحه على الشفاء للقاضي عياض،وقال الشهاب الخفاجي:(إنَّ سند هذا الخبر صحيح) نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض،ج٣ص٣٥)
وهذا مافعله الحافظ ابن كثير في تفسيره، حذف : (وصيِّي وخليفتي)ووضع مكانها،ياعليُّ أنتَ أخي وكذا وكذا ؟!
لايريدون أنْ تصلَ الحقائقُ إلى الناس .
والحمد لله رب العالمين
كتبه السيد الفارس
2025-08-25